الخطيب الشربيني
349
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
النقصان لا يقدر أن يقدر العظيم السلطان حق قدره وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أي : جليل عزيز دائم لذيذ نافع شهي لا كدر فيه وهو رزق الجنة . تنبيه : ذكر تعالى في الذين آمنوا وعملوا الصالحات أمرين : الإيمان ، والعمل الصالح ، وذكر لهم أمرين : المغفرة والرزق الكريم ، فالمغفرة جزاء الإيمان فكل مؤمن مغفور له لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله ومن في قلبه وزن ذرة من إيمان » « 1 » ، والرزق الكريم على العمل الصالح وهذا مناسب ، فإن من عمل لسيد كريم عملا فعند فراغه لا بد وأن ينعم عليه وقوله تعالى كَرِيمٌ بمعنى : ذي كرم أو مكرم أو لأنه يأتي من غير طلب بخلاف رزق الدنيا فإنه إن لم يطلب ويتسبب فيه لا يأتي غالبا . فإن قيل : ما الحكمة في تمييزه الرزق بأنه كريم ولم يصف المغفرة ؟ أجيب : بأن المغفرة واحدة وهي للمؤمنين ، وأما الرزق فمنه شجرة الزقوم والحميم ، ومنه الفواكه والشراب الطهور فميز الرزق لحصول الانقسام فيه ولم يميز المغفرة لعدم الانقسام فيها . ولما بين تعالى حال المؤمنين يوم القيامة بين حال الكافرين في ذلك اليوم بقوله سبحانه : وَالَّذِينَ سَعَوْا أي : فعلوا فعل الساعي فِي آياتِنا أي : القرآن بالإبطال وتزهيد الناس فيها وقوله تعالى : معجزين قرأه ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف بعد العين وتشديد الجيم أي : مبطئين عن الإيمان من أراده ، والباقون بألف بعد العين وتخفيف الجيم وكذا في آخر السورة أي : مسابقين كي يفوتونا أُولئِكَ الحقيرون عن أن يبلغوا مرادا بمعاجزتهم لَهُمْ عَذابٌ وأي عذاب مِنْ رِجْزٍ أي : سيئ العذاب أَلِيمٌ أي : مؤلم وقرأ ابن كثيرة وحفص أليم بالرفع على أنه صفة لعذاب ، والباقون بالجر على أنه صفة لرجز قال الرازي : قال هناك لهم رزق كريم ولم يقل بمن التبعيضية فلم يقل لهم نصيب من رزق ولا رزق من جنس كريم ، وقال ههنا لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ بلفظة صالحة للتبعيض وذلك إشارة إلى سعة الرحمة وقلة الغضب . وقوله : وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي : الذي قذفه الله تعالى في قلوبهم سواء كانوا ممن أسلم من العرب أو أهل الكتاب وقيل : مؤمنو أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه وقيل : الصحابة ومن شايعهم فيه وجهان : أحدهما : أنه عطف على ليجزي أي : وليعلم الذين أوتوا العلم . والثاني : أنه مستأنف أخبر عنهم بذلك الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي : المحسن إليك بإنزاله هُوَ الْحَقَّ أي : أنه من عند الله تعالى . تنبيه : الذي أنزل هو المفعول الأول ، وهو ضمير فصل والحق : مفعول ثان لأن الرؤية علمية . وقوله تعالى وَيَهْدِي إِلى صِراطِ أي : طريق الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ في فاعله وجهان أظهرهما أنه ضمير الذي أنزل وهو القرآن . والثاني : ضمير اسم الله تعالى وهاتان الصفتان يفيدان الرهبة
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان حديث 44 ، ومسلم في الإيمان حديث 193 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4312 ، وأخرجه بلفظ : « يخرج من النار من في قلبه وزن ذرة من إيمان » الترمذي في صفة جهنم حديث 2598 .